الشيخ السبحاني
161
أضواء على عقائد الشيعة الإمامية
يقطر ، قال لأصحابه : " لقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف غير حرج ليس عليه ذمام " فتفرق الناس عنه ، وأخذوا يمينا وشمالا ، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه . ومع ذلك فقد واصل ( عليه السلام ) مسيره نحو الكوفة ، ولما مر ببطن العقبة لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له : عمر بن لوذان ، فسأل الإمام : أين تريد ؟ فقال له الحسين ( عليه السلام ) : " الكوفة " فقال الشيخ : أنشدك لما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف ، فقال له الحسين : " ليس يخفى علي الرأي ، وأن الله تعالى لا يغلب على أمره " ( 1 ) . في نفس النص دلالة على أن الإمام كان يدرك ما كان يتخوفه غيره ، وأن مصيره لو سار إلى الكوفة هو القتل ، ومع ذلك أكمل السير طلبا للشهادة من أجل نصرة الدين ورد كيد أعدائه ، وحتى لا تبقى لأحد حجة يتذرع بها لتبرير تخاذله وضعفه . نعم لقد كان الحسين ( عليه السلام ) على بينة من أمره وما سيؤول إليه سفره من مصير محتوم ، فلا شئ يقف أمام إرادته من أجل إعلاء كلمة الدين وتثبيت دعائمه التي أراد الأمويون تقويضها ، انظر إليه وهو يخاطب الحر بن يزيد الرياحي الذي يحذره من مغبة إصراره على موقفه حيث يقول له : " أفبالموت تخوفني ، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ، وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله فخوفه ابن عمه وقال : أين تذهب فإنك مقتول ، فقال : سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا وخالف مجرما فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم * كفى بك ذلا أن تعيش وترغما " ( 2 )
--> ( 1 ) الإرشاد : 223 . ( 2 ) الإرشاد : 225 ، الطبري في تأريخه 5 : 204 .